فصل: تفسير الآيات رقم (56 - 57)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏54 - 55‏]‏

‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا‏}‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ‏}‏ أيها الناس، من يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ‏{‏إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ‏}‏ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه ‏{‏أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ‏}‏ ‏[‏يا محمد‏]‏ ‏{‏عَلَيْهِمْ وَكِيلا‏}‏ أي‏:‏ إنما أرسلناك نذيرًا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ بمراتبهم في الطاعة والمعصية ‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ‏}‏، كَمَا قَالَ‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏‏.‏

وهذا لا ينافي ما ‏[‏ثبت‏]‏ في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏لا تفضلوا بين الأنبياء‏"‏ ؛ فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية ، لا بمقتضى الدليل، ‏[‏فإنه إذا دل الدليل‏]‏ على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 7‏]‏ ، وفي الشورى ‏[‏في قوله‏]‏‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏‏.‏ ولا خلاف أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطنا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا‏}‏ تنبيه على فضله وشرفه‏.‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏خُفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته لتُسْرج، فكان يقرأ قبل أن يَفْرغ‏"‏‏.‏ يعني القرآن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56 - 57‏]‏

‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله‏:‏ ‏{‏ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ‏}‏ من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم، فإنهم ‏"‏ لا يملكون كشف الضر عنكم‏"‏ أي‏:‏ بالكلية، ‏{‏وَلا تَحْوِيلا‏}‏ أي‏:‏ أن يحولوه إلى غيركم‏.‏

والمعنى‏:‏ أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر‏.‏

قال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا‏}‏ قال‏:‏ كان أهل الشرك يقولون‏:‏ نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏‏.‏ روى البخاري، من حديث سليمان بن مِهْران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمر، عن عبد الله في قوله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ‏}‏ قال‏:‏ ناس من الجن، كانوا يعبدون، فأسلموا‏.‏ وفي رواية قال‏:‏ كان ناس من الإنس، يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم‏.‏

وقال قتادة، عن معبد بن عبد الله الزِّمَّاني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ‏}‏ قال‏:‏ نزلت في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجِنِّيُّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية‏.‏

وفي رواية عن ابن مسعود‏:‏ كانوا يعبدون صنفًا من الملائكة يقال لهم‏:‏ الجن، فذكره‏.‏

وقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏ قال‏:‏ عيسى وأمه، وعُزير‏.‏

وقال مغيرة، عن إبراهيم‏:‏ كان ابن عباس يقول في هذه الآية‏:‏ هم عيسى، وعُزير، والشمس، والقمر‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ عيسى، والعُزير، والملائكة‏.‏

واختار ابن جرير قول ابن مسعود؛ لقوله‏:‏ ‏{‏يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ‏}‏، وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعُزير‏.‏ قال‏:‏ والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَيُّهُمْ أَقْرَبُ‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ‏}‏‏:‏ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على الطاعات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا‏}‏ أي‏:‏ ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا‏}‏

هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتَمَ وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ‏:‏ أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ‏{‏عَذَابًا شَدِيدًا‏}‏ إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال عن الأمم الماضين‏:‏ ‏{‏وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 101‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا‏}‏

قال سُنَيْد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جُبَيْر قال‏:‏ قال المشركون‏:‏ يا محمد، إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سُخّرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سَرّك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا‏.‏ فأوحى الله إليه‏:‏ ‏"‏إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نَستأني بقومك استأنيتُ بهم‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏يا رب، استأن بهم‏"‏‏.‏ وكذا قال قتادة، وابن جريج، وغيرهما‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له‏:‏ إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نُؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكتُ من كان قبلهم من الأمم‏:‏ قال‏:‏ ‏"‏لا بل استأن بهم‏"‏‏.‏ وأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً‏}‏ رواه النسائي من حديث جرير، به‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهيل، عن عمران أبى الحكيم ، عن ابن عباس قال‏:‏ قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، ونؤمن بك‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏وتفعلون‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فدعا فأتاه جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك‏:‏ إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عَذّبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏بل باب التوبة والرحمة‏"‏‏.‏

وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده‏:‏ حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف ابن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمار الأيلِيّ، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت‏:‏ سمعت الزبير يقول‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 214‏]‏ صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قَبِيس‏:‏ ‏"‏يا آل عبد مناف، إني نذير‏!‏‏"‏ فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا‏:‏ تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهارًا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا، فننحت منها، وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم‏!‏ قال‏:‏ فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سري عنه قال‏:‏ ‏"‏والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم، فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم‏.‏ وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم، أنه يعذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين‏"‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ‏}‏ وحتى قرأ ثلاث آيات ونزلت‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 31‏]‏‏.‏

ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ‏}‏ أي‏:‏ نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه سهل علينا يسير لدينا، إلا أنه قد كذب بها الأولون بعدما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة‏:‏‏:‏ ‏{‏قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 115‏]‏ وقال تعالى عن ثمود، حين سألوا آية‏:‏ ناقة تخرج من صخرة عَيَّنُوها، فدعا صالح ربه، فأخرج له منها ناقة على ما سألوا ‏"‏ فظلموا بها‏"‏ أي‏:‏ كفروا بمن خلقها، وكذبوا رسوله وعقروا الناقة فقال‏:‏ ‏{‏تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 65‏]‏؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ‏}‏ أي‏:‏ دالة على وحدانية من خلقها وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها ‏{‏فَظَلَمُوا بِهَا‏}‏ أي‏:‏ كفروا بها ومنعوها شِرْبها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم، وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا‏}‏ قال قتادة‏:‏ إن الله خوف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال‏:‏ يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه‏.‏

وهكذا رُوي أن المدينة زُلزلت على عهد عمر بن الخطاب مرات، فقال عمر‏:‏ أحدثتم، والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن‏.‏ وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه‏:‏ ‏"‏إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله، عز وجل، يرسلهما يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره‏"‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏يا أمة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرّضًا له على إبلاغ رسالته، ومخبرًا له بأنه قد عصمه من الناس، فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته‏.‏

قال مجاهد، وعروة بن الزبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ‏}‏أي‏:‏ عصمك منهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ قال البخاري‏:‏ حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ قال‏:‏ هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ‏{‏وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏}‏ شجرة الزقوم‏.‏

وكذا رواه أحمد، وعبد الرزاق، وغيرهما، عن سفيان بن عيينة به ، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس، وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء‏:‏ مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد‏.‏ وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستقصاة، ولله الحمد والمنة‏.‏ وتقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق؛ لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا لآخرين؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِلا فِتْنَةً‏}‏ أي‏:‏ اختبارًا وامتحانًا‏.‏ وأما ‏"‏الشجرة الملعونة‏"‏، فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل لعنه الله ‏[‏بقوله‏]‏ هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، وجعل يأكل هذا بهذا ويقول‏:‏ تَزَقَّموا، فلا نعلم الزقوم غير هذا‏.‏

حكى ذلك ابن عباس، ومسروق، وأبو مالك، والحسن البصري، وغير واحد، وكل من قال‏:‏ إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك بشجرة الزقوم‏.‏ وقد قيل‏:‏ المراد بالشجرة الملعونة‏:‏ بنو أمية‏.‏ وهو غريب ضعيف‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدثت عن محمد بن الحسن بن زَبَالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي عن جدي قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتى مات‏.‏ قال‏:‏ وأنزل الله في ذلك‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ الآية‏.‏

وهذا السند ضعيف جدًا؛ فإن ‏"‏محمد بن الحسن بن زَبَالة‏"‏ متروك، وشيخه أيضًا ضعيف بالكلية‏.‏ ولهذا اختار ابن جرير‏:‏ أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال‏:‏ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي‏:‏ في الرؤيا والشجرة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَنُخَوِّفُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ الكفار بالوعيد والعذاب والنكال ‏{‏فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال‏.‏ وذلك من خذلان الله لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61 - 62‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏

يذكر تعالى عَدَاوَةَ إبليس -لعنه الله -لآدم، عليه السلام، وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمرالملائكة بالسجود، فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له؛ افتخارًا عليه واحتقارًا له ‏{‏قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا‏}‏ كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 12‏]‏‏.‏ وقال أيضًا‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَكَ‏}‏، يقول للرب جراءة وكفرًا، والرب يحلم وينظر ‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا‏}‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول‏:‏ لأستولين على ذريته إلا قليلا‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لأحتوين‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ لأضلنهم‏.‏

وكلها متقاربة، والمعنى‏:‏ أنه يقول‏:‏ أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليّ، لئن أنظرتني لأضلن ذرّيته إلا قليلا منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62 - 65‏]‏

‏{‏قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا‏}‏

لما سأل إبليس ‏[‏عليه اللعنة‏]‏ النظرة قال الله له‏:‏ ‏{‏اذْهَبْ‏}‏ فقد أنظرتك‏.‏ كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 37، 38‏]‏ ثم أوعده ومن تَبِعه من ذرية آدم جهنم، فقال‏:‏ ‏{‏فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ على أعمالكم ‏{‏جَزَاءً مَوْفُورًا‏}‏

قال مجاهد‏:‏ وافرا‏.‏ وقال قتادة‏:‏ مُوَفّرا عليكم، لا ينقص لكم منه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ‏}‏ قيل‏:‏ هو الغناء‏.‏ قال مجاهد‏:‏ باللهو والغناء، أي‏:‏ استخفهم بذلك‏.‏

وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ‏}‏ قال‏:‏ كل داع دعا إلى معصية الله، عز وجل، وقال قتادة، واختاره ابن جرير‏.‏وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ‏}‏ يقول‏:‏ واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورَجْلتَهم؛ فإن ‏"‏الرّجْل‏"‏ جمع ‏"‏راجل‏"‏، كما أن ‏"‏الركب‏"‏ جمع ‏"‏راكب‏"‏ و‏"‏صحب‏"‏ جمع ‏"‏صاحب‏"‏‏.‏

ومعناه‏:‏ تسلط عليهم بكل ما تقدرعليه‏.‏ وهذا أمر قدري، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 83‏]‏ أي‏:‏ تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسوقهم إليها سوقًا‏.‏ وقال ابن عباس، ومجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ‏}‏ قال‏:‏ كل راكب وماش في معصية الله‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه‏.‏

وتقول العرب‏:‏ ‏"‏أجلب فلان على فلان‏"‏‏:‏ إذا صاح عليه‏.‏ ومنه‏:‏ ‏"‏نهى في المسابقة عن الجَلَب والجَنَب‏"‏ ومنه اشتقاق ‏"‏الجلبة‏"‏، وهي ارتفاع الأصوات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله‏.‏

وقال عطاء‏:‏ هو الربا‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام‏.‏ وكذا قال قتادة‏.‏

وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما‏:‏ أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني‏:‏ من البحائر والسوائب ونحوها‏.‏ وكذا قال الضحاك وقتادة‏.‏

‏[‏ثم‏]‏ قال ابن جرير‏:‏ والأولى أن يقال‏:‏ إن الآية تعم ذلك كله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَالأولادِ‏}‏ قال العوفي عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك‏:‏ يعني أولاد الزنا‏.‏

وقال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم‏.‏

وقال قتادة، عن الحسن البصري‏:‏ قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مَجَّسُوا وهودوا ونَصّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجَزَّؤوا من أموالهم جزءًا للشيطان وكذا قال قتادة سواء‏.‏

وقال أبو صالح، عن ابن عباس‏:‏ هو تسميتهم أولادهم ‏"‏عبد الحارث‏"‏ و‏"‏عبد شمس‏"‏ و‏"‏عبد فلان‏"‏‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وأولى الأقوال بالصواب أن يقال‏:‏ كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله ووأده، وغير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله‏:‏ ‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ‏}‏ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصي الله فيه -أو به، وأطيع فيه الشيطان -أو به، فهو مشاركة‏.‏

وهذا الذي قاله مُتَّجه، وكل من السلف، رحمهم الله، فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم، عن عياض بن حمار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يقول الله عز وجل‏:‏ إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرّمت عليهم ما أحللت لهم‏"‏‏.‏

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال‏:‏ بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدّر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدًا‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا‏}‏ كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ‏}‏ الآية ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ‏}‏‏:‏ إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا‏}‏ أي‏:‏ حافظًا ومؤيدًا وناصرًا‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهيعة، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن المؤمن ليُنْضي شياطينه كما ينضي أحدكم بَعيرَه في السفر‏"‏‏.‏ ينضي، أي‏:‏ يأخذ بناصيته ويقهره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏66‏]‏

‏{‏رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏

يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر، وتسهيلها لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏ أي‏:‏ إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم، ورحمته بكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا‏}‏

يخبر تعالى أنه إذا مس الناس ضرّ، دعوه منيبين إليه، مخلصين له الدين؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ‏}‏ أي‏:‏ ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هاربًا، فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض‏:‏ إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو الله وحده‏.‏ فقال عكرمة في نفسه‏:‏ والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فَأضعن يدي في يديه ، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا‏.‏ فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه، رضي الله عنه وأرضاه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له‏.‏

‏{‏وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا‏}‏ أي‏:‏ سَجِيَّتُه هذا، ينسى النعم ويجحدها، إلا من عصم الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ أفحسبتم أن نخرجكم إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه‏!‏ ‏{‏أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا‏}‏، وهو‏:‏ المطر الذي فيه حجارة‏.‏ قاله مجاهد، وغير واحد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 34‏]‏ وقد قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 82‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 16، 17‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا‏}‏ أي‏:‏ ناصرًا يرد ذلك عنكم، وينقذكم منه ‏[‏والله سبحانه وتعالى أعلم‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ أَمِنْتُمْ‏}‏ أيها المعرضون عنا بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر، وخرجوا إلى البر ‏{‏أَنْ يُعِيدَكُمْ‏}‏ في البحر مرة ثانية ‏{‏فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ‏}‏ أي‏:‏ يقصف الصواري ويغرق المراكب‏.‏

قال ابن عباس وغيره‏:‏ القاصف‏:‏ ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ نصيرًا‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ نصيرًا ثائرًا، أي‏:‏ يأخذ بثأركم بعدكم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ولا نخاف أحدًا يتبعنا بشيء من ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا‏}‏

يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 4‏]‏ أي‏:‏ يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه -وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه -وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية‏.‏

‏{‏وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ‏}‏ أي‏:‏ على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي ‏"‏البحر‏"‏ أيضًا على السفن الكبار والصغار‏.‏

‏{‏وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ‏}‏ أي‏:‏ من زروع وثمار، ولحوم وألبان، من سائر أنواع الطعوم والألوان، المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي‏.‏

‏{‏وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا‏}‏ أي‏:‏ من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات‏.‏

وقد استُدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة، قال عبد الرزاق‏:‏ أخبرنا مَعْمَر، عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قالت الملائكة‏:‏ يا ربنا، إنك أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون منها ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة‏.‏ فقال الله‏:‏ ‏"‏وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له‏:‏ كن فكان‏"‏‏.‏ وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلا‏.‏

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن صَدَقَة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المِصِّيصِيّ، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غَسَّان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن الملائكة قالت‏:‏ يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة‏.‏ قال‏:‏ لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له‏:‏ كن، فكان‏"‏‏.‏

وقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن عَلاق، سمعت عروة بن رُوَيْم اللخمي، حدثني أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن الملائكة قالوا‏:‏ ربنا، خلقتنا وخلقت بني آدم، فجعلتهم يأكلون الطعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئًا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة‏.‏ فقال الله عز وجل‏:‏ لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له‏:‏ كن، فكان‏"‏‏.‏

وقال الطبراني‏:‏ حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا عمر بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شِغَاف عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم‏"‏‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله ولا الملائكة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر‏"‏‏.‏ وهذا حديث غريب جدًا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71 - 72‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا‏}‏

يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة‏:‏ أنه يحاسب كل أمة بإمامهم‏.‏ وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة‏:‏ أي بنبيهم‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 47‏]‏‏.‏

وقال بعض السلف‏:‏ هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ بكتابهم الذي أنزل على نبيهم، من التشريع‏.‏

واختاره ابن جرير، وروي عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال‏:‏ بكتبهم‏.‏ فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ بكتاب أعمالهم، وكذا قال أبو العالية، والحسن، والضحاك‏.‏ وهذا القول هو الأرجح؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 12‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 28، 29‏]‏‏.‏

وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته، فإنه لا بد أن يكون شاهدا عليها بأعمالها، كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 69‏]‏، وقال ‏{‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 41‏]‏‏.‏‏.‏

ولكن المراد هاهنا بالإمام هو كتاب الأعمال؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحب قراءته، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 19 -26‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلا يُظْلَمُونَ‏}‏ فَتِيلا‏}‏ قد تقدم أن ‏"‏الفتيل‏"‏ هو الخيط المستطيل في شق النواة‏.‏

وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا في هذا فقال‏:‏ حدثنا محمد بن يَعْمَر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدِّيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويُبَيَّض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤْلؤة تَتَلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون‏:‏ اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا‏.‏ فيأتيهم فيقول لهم‏:‏ أبشروا، فإن لكل رجل منكم مثل هذا‏.‏ وأما الكافر فَيُسْود وجهه، ويمدّ له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون‏:‏ نعوذ بالله من هذا -أو‏:‏ من شر هذا -اللهم لا تأتنا به‏.‏ فيأتيهم فيقولون‏:‏ اللهم اخزه فيقول‏:‏ أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا‏"‏‏.‏

ثم قال البزار‏:‏ لا يروى إلا من هذا الوجه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا‏}‏ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ‏}‏ أي‏:‏ في الحياة الدنيا ‏{‏أَعْمَى‏}‏ عن حجج الله وآياته وبيناته ‏{‏فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى‏}‏ أي‏:‏ كذلك يكون ‏{‏وَأَضَلُّ سَبِيلا‏}‏ أي‏:‏ وأضل منه كما كان في الدنيا، عياذًا بالله من ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73 - 75‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا‏}‏

يخبر تعالى عن تأييد رسوله، صلوات الله عليه وسلامه ، وتثبيته، وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه، في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76 - 77‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا‏}‏

قيل‏:‏ نزلت في اليهود، إذ أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترك سكنى المدينة‏.‏

وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ إنها نزلت بتبوك‏.‏ وفي صحته نظر‏.‏

قال البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن يونس بن بُكيْر، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غَنْم؛ أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي، فالحق بالشام؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء‏.‏ فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلا الشام‏.‏ فلما بلغ تبوك، أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏تَحْوِيلا‏}‏ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال‏:‏ فيها محياك ومماتك، ومنها تبعث‏.‏

وفي هذا الإسناد نظر‏.‏ والأظهر أن هذا ليس بصحيح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود، إنما غزاها امتثالا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏‏.‏ وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة، من أصحابه، والله أعلم‏.‏ ولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة‏:‏ مكة، والمدينة، والشام‏"‏‏.‏ قال الوليد‏:‏ يعني بيت المقدس‏.‏ وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد‏:‏ إنه بيت المقدس والله أعلم‏.‏

وقيل‏:‏ نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا‏.‏ وكذلك وقع؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم، بعد ما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصف‏.‏ حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى سراتهم ؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا‏}‏ أي‏:‏ هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم‏:‏ يخرج الرسول من بين أظهرهم‏:‏ ويأتيهم العذاب‏.‏ ولولا أنه عليه ‏[‏الصلاة و‏]‏ السلام رسول الرحمة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78 - 79‏]‏

‏{‏أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏}‏ قيل لغروبها‏.‏ قاله ابن مسعود، ومجاهد، وابن زيد‏.‏

وقال هُشَيْم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏دلوكها‏"‏‏:‏ زوالها‏.‏ ورواه نافع، عن ابن عمر‏.‏ ورواه مالك في تفسيره، عن الزهري، عن ابن عمر‏.‏ وقاله أبو بَرْزَة الأسلمي وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود‏.‏ ومجاهد‏.‏ وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة‏.‏ واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، ‏[‏عن رجل‏]‏ ، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس‏"‏‏.‏ثم رواه عن سهل بن بكار، عن أبي عَوَانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه‏.‏ فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة فمن قوله‏:‏ ‏{‏لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ‏}‏ وهو‏:‏ ظلامه، وقيل‏:‏ غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله ‏[‏تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ‏}‏ يعني‏:‏ صلاة الفجر‏.‏

وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترًا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات، على ما عليه عمل أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد‏.‏

‏{‏إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏ قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود -وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار‏"‏‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي سلمة -وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر‏"‏‏.‏ ويقول أبو هريرة‏:‏ اقرءوا إن شئتم‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم -وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار‏"‏‏.‏ ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثلاثتهم عن عُبَيْد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏

وفي لفظ في الصحيحين، من طريق مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم -وهو أعلم بكم -كيف تركتم عبادي‏؟‏ فيقولون‏:‏ أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون‏"‏ وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء‏.‏وكذا قال إبراهيم النَّخَعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية‏.‏

وأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا -من حديث الليث بن سعد، عن زيادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عُبيد، عن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث النزول وأنه تعالى يقول‏:‏ ‏"‏من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطه ، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر‏"‏‏.‏ فلذلك يقول‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏ فيشهده الله، وملائكة الليل، وملائكة النهار -فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا حديث في سنن أبي داود‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ‏}‏ أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل‏:‏ أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏صلاة الليل‏"‏‏.‏

ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد‏:‏ ما كان بعد نوم‏.‏ قاله علقمة، والأسود وإبراهيم النخعي، وغير واحد وهو المعروف في لغة العرب‏.‏ وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه كان يتهجد بعد نومه، عن ابن عباس، وعائشة، وغير واحد من الصحابة، رضي الله عنهم، كما هو مبسوط في موضعه، ولله الحمد والمنة‏.‏

وقال الحسن البصري‏:‏ هو ما كان بعد العشاء‏.‏ ويحمل على ما بعد النوم‏.‏

واختلف في معنى قوله‏:‏ ‏{‏نَافِلَةً لَكَ‏}‏ فقيل‏:‏ معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة‏.‏ رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي، رحمه الله، واختاره ابن جرير‏.‏

وقيل‏:‏ إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيرهُ من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه، قاله مجاهد، وهو في المسند عن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ أي‏:‏ افعل هذا الذي أمرتك به، لنقيمك يوم القيامة مقاما يحسدك فيه الخلائق كلهم وخالقهم، تبارك وتعالى‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ قال أكثر أهل التأويل‏:‏ ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم‏.‏

ذكر من قال ذلك‏:‏ حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن

صلة بن زُفَر، عن حذيفة قال‏:‏ يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عُراة كما خلقوا قيامًا، لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى‏:‏ يا محمد، فيقول‏:‏ ‏"‏لبيك وسعدَيك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهديّ من هَدَيْت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت‏"‏‏.‏ فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل ‏.‏ ثم رواه عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به ‏.‏ وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، به‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ هذا المقام المحمود مقام الشفاعة‏.‏ وكذا قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد‏.‏ وقاله الحسن البصري‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هو أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ قلت‏:‏ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا تشريفات ‏[‏يوم القيامة‏]‏ لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دُونَه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعدما يسأل الناس آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول‏:‏ ‏"‏لست لها‏"‏ حتى يأتوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول‏:‏ ‏"‏أنا لها، أنا لها‏"‏ كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع، إن شاء الله تعالى‏.‏ ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار، فيردون عنها‏.‏ وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته‏.‏ وهو أول شفيع في الجنة، كما ثبت في صحيح مسلم‏.‏ وفي حديث الصور‏:‏ أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته وهو أول داخل إليها وأمته قبل الأمم كلهم‏.‏ ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم‏.‏ وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا له‏.‏ وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك‏.‏ وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب ‏"‏السيرة‏"‏ في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة‏.‏ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود، وبالله المستعان‏:‏ قال البخاري‏:‏ حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر ‏[‏يقول‏]‏ ‏:‏ إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون‏:‏ يا فلان اشفع، يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقامًا محمودًا‏.‏ ورواه حمزة بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بن الليث، حدثنى الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال‏:‏ سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول‏:‏ سمعت عبد الله بن عمر يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن الشمس لَتدنو حتى يبلغ العَرَقُ نصفَ الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول‏:‏ لست صاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد فيشفع بين الخلق ، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا‏"‏‏.‏ ‏[‏يحمده أهل الجنة كلهم‏]‏‏.‏

وهكذا رواه البخاري في ‏"‏الزكاة‏"‏ عن يحيى بن بُكَيْر، وعبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد، به، وزاد ‏"‏فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، بحمده أهل الجمع كلهم‏"‏‏.‏

قال البخاري‏:‏ وحدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا شعيب بن أبي حَمْزة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من قال حين يسمع النداء‏:‏ اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة‏"‏‏.‏ انفرد به دون مسلم‏.‏

حديث أبيّ‏:‏ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فَخْر‏"‏‏.‏

وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عامر عبد الملك بن عَمْرو العَقَديّ، وقال‏:‏ ‏"‏حسن صحيح‏"‏‏.‏ وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به‏.‏ وقد قدمنا في حديث‏:‏ ‏"‏أبي بن كعب‏"‏ في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره‏:‏ ‏"‏فقلت‏:‏ اللهم، اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم عليه السلام‏"‏‏.‏

حديث أنس بن مالك‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيلهمون ذلك فيقولون‏:‏ لو استشفعنا إلى ربنا، فأراحنا من مكاننا هذا‏.‏ فيأتون آدم فيقولون‏:‏ يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كلّ شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا‏.‏ فيقول لهم آدم‏:‏ لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه، عز وجل، من ذلك، ويقول‏:‏ ولكن ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض‏.‏ فيأتون نوحًا فيقول‏:‏ لست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن‏.‏ فيأتونه فيقول‏:‏ لست هناكم، ولكن ائتوا موسى، عبدًا كلمه الله، وأعطاه التوراة‏.‏ فيأتون موسى فيقول‏:‏ لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول‏:‏ لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني‏"‏‏.‏ قال الحسن هذا الحرف ‏:‏ ‏"‏فأقوم فأمشي بين سِماطين من المؤمنين‏"‏‏.‏ قال أنس‏:‏ ‏"‏حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له -أو‏:‏ خررت -ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني‏"‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏ثم يقال‏:‏ ارفع محمد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه‏.‏ فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة‏"‏‏:‏ ‏"‏ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت -أو‏:‏ خررت -ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني‏.‏ ثم يقال‏:‏ ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع‏.‏ فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الثالثة؛ فإذا رأيت ربي وقعت -أو‏:‏ خررت -ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال‏:‏ ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع‏.‏ فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة‏.‏ ثم أعود الرابعة فأقول‏:‏ يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن‏"‏‏.‏ فحدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏فيخرج من النار من قال‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله‏"‏ وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله‏"‏ وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة ثم يخرج من النار من قال‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله‏"‏ وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة‏"‏‏.‏ أخرجاه ‏[‏في الصحيح‏]‏ من حديث سعيد، به وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بطوله‏.‏وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال‏:‏ حدثني نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى، عليه السلام، فقال‏:‏ هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون -أو قال‏:‏ يجتمعون إليك -ويَدْعُون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله، لغمّ ما هم فيه، فالخلق مُلجَمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكْمَة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال‏:‏ انتظر حتى أرجع إليك‏.‏ فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق مَلَك مصطفى ولا نبي مرسل‏.‏ فأوحى الله، عز وجل، إلى جبريل‏:‏ أن اذهب إلى محمد، وقل له‏:‏ ارفع رأسك، وسل تُعطَه، واشفع تشفع‏.‏ فشفَعتُ في أمتي‏:‏ أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا‏.‏ فما زلت أتردد إلى ربي، عز وجل، فلا أقوم منه مقامًا إلا شفعت، حتى أعطاني الله من ذلك، أن قال‏:‏ يا محمد، أَدْخِلْ ‏[‏من أمتك‏]‏ من خلق الله، عز وجل، من شهد أن لا إله إلا الله يومًا واحدًا مخلصًا ومات على ذلك ‏"‏‏.‏

حديث بريدة، رضي الله عنه‏:‏ قال الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حَصِيرة، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه‏:‏ أنه دخل على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة‏:‏ يا معاوية، تأذن لي في الكلام‏؟‏ فقال‏:‏ نعم -وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر -فقال بريدة‏:‏ سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فترجوها أنت يا معاوية، ولا يرجوها عليّ، رضي الله عنه‏؟‏‏!‏‏.‏

حديث ابن مسعود‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا علي بن الحكم البُنَاني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال‏:‏ جاء ابنا مُلَيْكَة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا إن أمَّنا ‏[‏كانت‏]‏ تكرم الزوج، وتعطف على الولد -قال‏:‏ وذكر الضيف -غير أنها كانت وأدت في الجاهلية‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏أمكما في النار‏"‏‏.‏ قال‏:‏ فأدبرا والسوء يرى في وجوههما، فأمر بهما فَرُدَّا، فَرَجَعَا والسرور يرى في وجوههما؛ رجاء أن يكون قد حدث شيء، فقال‏:‏ ‏"‏أمي مع أمكما‏"‏‏.‏ فقال رجل من المنافقين‏:‏ وما يغني هذا عن أمه شيئًا‏!‏ ونحن نطأ عقبيه‏.‏ فقال رجل من الأنصار -ولم أر رجلا قط أكثر سؤالا منه-‏:‏ يا رسول الله، هل وعدك ربك فيها أو فيهما‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ فظن أنه من شيء قد سمعه، فقال‏:‏ ‏"‏ما شاء الله ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة‏"‏‏.‏ فقالَ الأنصاري‏:‏ يا رسول الله، وما ذاك المقام المحمود‏؟‏ قال‏:‏‏"‏ ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلا فيكون أول من يكسى إبراهيم، عليه السلام، فيقول‏:‏ اكسوا خليلي‏.‏ فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتي بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد، فيغبطني فيه الأولون والآخرون‏.‏ ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض‏"‏‏.‏ فقال المنافقون‏:‏ إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رضراض‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حاله المسك، ورضراضه التُّوم‏"‏‏.‏ ‏[‏قال المنافق‏:‏ لم أسمع كاليوم‏.‏ قلَّما جرى ماء قط على حال أو رضراض، إلا كان له نبتة‏.‏ فقال الأنصاري‏:‏ يا رسول الله، هل له نبت‏؟‏ قال ‏"‏نعم، قضبان الذهب‏"‏‏]‏ ‏.‏ قال المنافق‏:‏ لم أسمع كاليوم، فإنه قلما ينبت قضيب إلا أورق، وإلا كان له ثمر‏!‏ قال الأنصاري‏:‏ يا رسول الله، هل له ثمرة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم، ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربةً لا يظمأ بعده، ومن حرمه لم يَرْوَ بعده‏"‏‏.‏

وقال أبو داود الطيالسي‏:‏ حدثنا يحيى بن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن أبيه، عن أبي الزّعْرَاء، عن عبد الله قال‏:‏ ثم يأذن الله، عز وجل، في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله، ثم يقوم عيسى أو موسى -قال أبو الزعراء‏:‏ لا أدري أيهما -قال‏:‏ ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعًا، فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏‏.‏

حديث كعب بن مالك، رضي الله عنه‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله ‏[‏بن كعب‏]‏ بن مالك، عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي، عز وجل، حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود‏"‏‏.‏

حديث أبي الدرداء، رضي الله عنه‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن ابن جُبَير، عن أبي الدرداء، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك‏"‏‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم، فيما بين نوح إلى أمتك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏هم غرّ مُحَجَّلُون، من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤتَونَ كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم‏"‏‏.‏

حديث أبي هريرة، رضي الله عنه‏:‏ قال الإمام أحمد، رحمه الله‏:‏ حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حَيَّان، حدثنا أبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال‏:‏ أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فَرُفع إليه الذراع -وكانت تعجبه -فَنَهَسَ منها نَهْسة ، ثم قال‏:‏ ‏"‏أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون ممّ ذاك‏؟‏ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمعهم الداعي ويَنفذُهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون‏.‏ فيقول بعض الناس لبعض‏:‏ ‏[‏ألا ترون إلى ما أنتم فيه‏؟‏ ألا ترون إلى ما قد بلغكم‏؟‏ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم عز وجل‏؟‏ فيقول بعض الناس لبعض‏]‏‏:‏ أبوكم آدم‏!‏‏.‏

فيأتون آدم، فيقولون‏:‏ يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك؛ فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول آدم‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي‏!‏ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح‏.‏

فيأتون نوحًا فيقولون‏:‏ يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول نوح‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي، نفسي، نفسي‏!‏ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم‏.‏ فيأتون إبراهيم فيقولون‏:‏ يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، ‏[‏اشفع لنا إلى ربك‏]‏ ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته نفسي، نفسي، نفسي ‏[‏اذهبوا إلى غيري‏]‏ اذهبوا إلى موسى‏.‏ فيأتون موسى فيقولون‏:‏ يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول لهم موسى‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى‏.‏ فيأتون عيسى فيقولون‏:‏ يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه -قال‏:‏ هكذا هو -وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فيقول لهم عيسى‏:‏ إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد‏.‏فيأتوني فيقولون‏:‏ يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه‏؟‏ ألا ترى ما قد بلغنا‏؟‏ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، عز وجل، ثم يفتح الله عليّ، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي‏.‏ فيقال‏:‏ يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع‏.‏ فأقول‏:‏ يا رب، أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب، أمتي أمتي‏!‏ فيقال‏:‏ يا محمد‏:‏ أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب‏"‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏والذي نفس محمد بيده لما بين مِصْراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وَهَجَر، أو كما بين مكة وبُصْرَى‏"‏‏.‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏ وقال مسلم، رحمه الله‏:‏ حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هِقْلُ بن زياد، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فرُّوخ، حدثني أبو هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مُشَفَّع‏"‏‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن داود بن يزيد الزّعافري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏، سئل عنها فقال‏:‏ ‏"‏هي الشفاعة ‏"‏‏.‏ رواه الإمام أحمد عن وكيع وعن محمد بن عبيد، عن داود، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه‏"‏‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن علي بن الحسين قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا كان يوم القيامة، مدّ الله الأرض مدّ الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه ‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن والله ما رآه قبلها، فأقول رب، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي‏.‏ فيقول الله تبارك وتعالى‏:‏ صدق، ثم أشفع‏.‏ فأقول‏:‏ يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض‏"‏، قال‏:‏ ‏"‏فهو المقام المحمود‏"‏، وهذا حديث مرسل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80 - 81‏]‏

‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏}‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظَبْيَان، عن أبيه، عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا‏}‏‏.‏

وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية‏:‏ إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله عز وجل‏:‏‏:‏ ‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏}‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ‏}‏ يعني‏:‏ المدينة ‏{‏وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏}‏ يعني‏:‏ مكة‏.‏

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏ وهذا القول هو أشهر الأقوال‏.‏

وقال‏:‏ العوفي عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ‏}‏ يعني‏:‏ الموت ‏{‏وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏}‏ يعني‏:‏ الحياة بعد الموت‏.‏ وقيل غير ذلك من الأقوال‏.‏ والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا‏}‏ قال الحسن البصري في تفسيرها‏:‏ وعده ربه لينزعن ملك فارس، وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم، وعز الروم، وليجعلنه له‏.‏

وقال قتادة فيها إن نبي الله صلى الله عليه وسلم، علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم‏.‏

قال مجاهد‏:‏ ‏{‏سُلْطَانًا نَصِيرًا‏}‏ حجة بينة‏.‏

واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال ‏[‏سبحانه و‏]‏ تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏إن الله لَيَزَع بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن‏"‏ أي‏:‏ ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثيرٌ من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏}‏ تهديد ووعيد لكفار قريش؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع‏.‏ وزَهَقَ باطلهم، أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ‏{‏بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 18‏]‏‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي مَعْمر، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُبٍ، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول‏:‏ ‏{‏جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏}‏، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد‏"‏‏.‏

وكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به‏.‏ ‏[‏وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي نجيح‏]‏‏.‏

وكذا رواه الحافظ أبو يعلى‏:‏ حدثنا زهير، حدثنا شَبَابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال‏:‏ دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا يعبدون من دون الله‏.‏ فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها، وقال‏:‏ ‏"‏جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا‏"‏‏.‏